ابن الجوزي
44
صفة الصفوة
عبدي المختار ، مولده بمكة ، ومهاجره المدينة ، لا فظ ولا غليظ ولا صخّاب في الأسواق . وعن أبي هريرة قال أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بيت المدراس « 1 » فقال : أخرجوا إلي أعلمكم . فقالوا : عبد اللّه بن صوريا . فخلا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فناشده بدينه وبما أنعم اللّه به عليهم وأطعمهم من المنّ والسلوى ، وظلّلهم به من الغمام : أتعلم أني رسول اللّه ؟ قال : اللهم نعم ، وإن القوم ليعرفون ما أعرف ، وإن صفتك ونعتك لمبيّن في التوراة ، ولكنهم حسدوك . قال : فما يمنعك أنت ؟ قال : أكره خلاف قومي ، وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم . وعن ابن عباس قال : كانت يهود قريظة والنّضير وفدك وخيبر يجدون صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلم عندهم قبل أن يبعث وأن دار هجرته المدينة فلما ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قالت أحبار يهود : ولد أحمد الليلة . فلما نبيء قالوا : قد نبئ أحمد ، يعرفون ذلك ويقرّون به ويصفونه ، فما منعهم عن إجابته إلا الحسد والبغي . وعن عبد الحميد بن جعفر « 2 » عن أبيه قال : كان الزبير بن باطا - وكان أعلم اليهود - يقول : إني وجدت سفرا « 3 » كان أبي يختمه عليّ ، فيه ذكر أن أحمد نبيّ صفته كذا وكذا . فحدث به الزبير بعد أبيه والنبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يبعث ، فما هو إلا أن سمع بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم قد خرج إلى مكة فعمد « 4 » إلى ذلك السفر فمحاه وكتم شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقال : ليس به . وعن سلمة بن سلامة بن وقش « 5 » قال : كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل ، قال : فخرج علينا يوما من بيته قبل أن يبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم بيسير ، حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل . قال سلمة : وأنا يومئذ أحدث من فيه سنّا عليّ
--> ( 1 ) يطلق على بيت عبادة اليهود . ( 2 ) هو عبد الحميد بن جعفر الأنصاري المدني ، روى عن المقبري وجماعة وخرج له مسلم والأربعة ، قال في المغنى : صدوق ، ضعفه القطان وفيه قدرية ، توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة للهجرة ( انظر شذرات الذهب ص 234 ج 1 ) . ( 3 ) السّفر : بالكسر الكتاب والجمع أسفار . ( 4 ) يقال : عمد للشيء أي قصد له أي تعمد وهو ضد الخطأ . ( انظر مختار الصحاح ص 454 ) ( 5 ) سلمة بن سلامة بن وقش صحابي بدري استعمله عمر على اليمامة ، توفي سنة 45 للهجرة .